الأربعاء، 17 يونيو، 2009

الرسالة السابعة عشر : نظارة الحب

الرسالة السابعة عشر : نظارة الحب
بسم الله ، والحمد لله ،
والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه وسلم
أما بعد ... أحبتي في الله
كيف حال حبكم لله تعالى ؟
أحببتموه أكثر ، تقربتم له بما يحب ، لعله يرضى ،
حبه يملأ عليكم حياتكم ، حبه بدأ يزداد في قلوبكم
والله الذي لا إله غيره ، نحتاج إلى جرعات حب لله تعالى نتداوى بها ،
نحتاج إلى بلسم المحبة لتطهر قلوبنا من آثار الذنوب والمعاصي ،
وتزكو أنفسنا من آفاتها ، وإذا وقع الحب في القلب ،
فك أسير الشهوات من أغلاله ، وعوفي مدمن المعاصي من غفلاته
نريد اليوم أن نلبس نظارة الحب ، وننظر إلى الأمور بشكل مختلف ،
هذا سيعمق الحب في قلوبنا لأن القلوب كثيرًا ما تبتعد من سوء ظنها بربها
أو عدم فهمها عنه
تعالوا نتأمل هذه الكلمات الذهبيات لابن القيم :ـ
يقول : " وكلُ ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته ، مما يحب العبد ويكره ، فعطاؤه ومنعه ، ومعافاته وابتلاؤه ، وقبضه وبسطه ، وعدله وفضله ، وأماتته وإحياؤه ، ولطفه وبره ، ورحمته وإحسانه ، وستره وعفوه ، وحلمه وصبره على عبده ، وإجابته لدعائه وكشف كربه ، وإغاثة لهفته ، وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه ، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه ، كلُّ ذلك داعٍ للقلوب إلى تألهه ومحبته "ـ

هل ما زلت لا تعرفه ؟
هل لا زلت لا تحسن الظن به ؟
يقول ابن القيم : " بل تمكينه عبده من معصيته ، وإعانته عليها ، وستره حتى يقضي وطره منها ، وكلاءته وحراسته له ، ويقضي وطره من معصيته ، وهو يعينه !! ويستعين عليها بنعمه : من أقوى الدواعي إلى محبته ، فلو أنَّ مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك ، لم يملك قلبه عن محبته ، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسنُ إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته ، فخيره إليه نازل ، وشره إليه صاعد ، يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه ، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه ، فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه ، فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه ، وتعلقها بمحبة سواه "ـ
هل تتخيل ؟!! تعصيه فلم يحل بينك وبين ما تشتهي تخالف أمره فلم يعاجلك بعقوبة ولم يهلكك ولم يفضحك ، بل تركك تقضى غايتك من هذه المعاصي وفيها سخطه ، ولو شاء لجعلك هباءً منثورًا ، لكن أمهلك وتحبب إليك . يا لكرم الله !!ـ
ثمَّ يضيف ابن القيم من هذه المعاني الغالية عن جوده وكرمه سبحانه المستوجب لمحبته
فيقول : " وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك ، والرب سبحانه وتعالى يريدك لك ، كما في الأثر الإلهي : " عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك " فكيف لا يستحيي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة ، وهو معرض عنه مشغول بحب غيره
وقد استغرق قلبه محبة ما سواه "ـ
ويأبى الله إلا أن يفهمنا هذا الدرس
ولكن لجهلنا لا نفهم ، فمن منَّا لم يعرف هذه الحقيقة المرة ، أنَّ كل النَّاس بلا استثناء
ولو كانا أبويك أو زوجتك أو عيالك أو إخوانك
أو أصدقائك من منهم لم تعرف أنَّه لا يعاملك
إلا لمصلحته ومنفعته ؟!ـ
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري ثمَّ لا تؤثر ربك فالمصيبة أعظم !!ـ
ألم تفهم ؟ كلهم لن ينفعوك ، كلهم يريدك له
ليس إلا ، أمَّا هو سبحانه فيريدك لك
يريد مصلحتك ومنفعتك .
أليس في القلوب حياة ؟
والله كلمات تتفطر لها القلوب القاسية
فما بال قلوبنا لا تتحرك .
واجبنا العملي :
(1) افهم عن الله من الآن ، واقرأ كل شيء من خلف نظارة الحب ، تتغير حياتك .
(2) استمعوا لهذه المحاضرة لترسيخ هذه المعاني :

http://www.manhag.net/droos/details.php?file=162
(3) عش في رياض اسمه " الستير "
واسمه " الحليم " واستدعي حمرة الخجل
والحياء منه سبحانه .
(4) الهج بهذا الثناء لترقيق قلبك ، وتحبب إلى ربك .
كان يحيى بن معاذ يقول في مناجاته : إلهي ما أكرمك !! إن كانت الطاعات فأنت اليوم تبذلها
و غدا تقبلها ، وإن كانت الذنوب فأنت اليوم تسترها ، و غدا تغفرها
فنحن من الطاعات بين عطيتك و قبولك
و من الذنوب بين سترك و مغفرتك
[ شعب الإيمان ]
اللهم عصينا فسترتنا وخالفنا أمرك فأمهلتنا
ونحن أهل العصيان وأنت أهل التقوى
وأهل المغفرة
فارحم ذلنا الآن بين يديك ، واغفر لنا ما كان منَّا ،
ولا تحرمنا ما عندك بسوء ما عندنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }ق18